دموع غالية
كتبهاوفاء نصر ، في 12 أغسطس 2007 الساعة: 19:42 م
دموع غالية
إهداء
إلى أصدقائي وأهلي وإخوتي
إلى روح أبي التي أشعر أنها تحيط بي وتستحق أن أكرمها
إلى كل من ساعدني ووقف بجانبي
إلى كل المقهورين والمظلومين في الأرض
إلى كل قطرة دم زكية أريقت بلا ذنب في العراق وفلسطين
إلى كل المؤمنين بالحلم العربي والدولة العربية الموحدة
أهدي هذا العمل المتواضع " دموع غالية "
وفاء نصر شهاب الدين
من الصعب علي دائماً أن أصمم بداية لشيء ما وخصوصاً إذا كانت رواية أدبية فأنا لست أديباً ولا روائياً ولكن طلب مني أن اكتب سيرتي الذاتية وعلى الرغم من جنون الفكرة إلا أنني وجدتها فرصة رائعة لكي تتعرفوا علي عن قرب.
أنا "مروان وليد" نعم المطرب الشهير عرفتموني من خلال كليباتي وأغاني والمقابلات التليفزيونية الكثيرة والتي تبثها معظم القنوات الفضائية ولكن لا أحد يعرفني كإنسان.
من الصعب على أي إنسان مشهور أن يحكي عن أدق تفاصيل حياته الشخصية ولكنني أمتلك الشجاعة لأن اعترف بكل أخطائي وهفواتي ليس لأنني شخص يهوى إثارة الضجة ولكن لتكون حياتي درس يتعلم منه الشباب. نعم فآلاف الشباب في الوطن العربي يتمنون أن يصبحوا مطربين ليحظوا بالشهرة والبريق والمال ودائماً ما يتناسون أن الفن ليس مطلوباً لذاته فمن وجهة نظري المتواضعة أن الفن خلق لخدمة المجتمع والتعبير عن مختلف التيارات التي يموج بها ولكي تكون فناناً بكل معنى الكلمة يجب أن يكون لك توجه معين. توجه يفيدك ويفيد مجتمعك. أهلاً بك في عالمي……. عالم مروان وليد الزاخر.
اسمي "مروان بن سلطان الوليد " ذو جنسية مزدوجة والدتي مصرية ووالدي سعودي.
بدأت القصة عندما غامرت أمي وتركت عملها كممرضة في إحدى المستشفيات لتتزوج من أبي الشاب الخليجي الثري وانتقلت للعيش معه في المملكة.
دائماً ما تظن المرأة أن الزواج بداية لحياة سعيدة. دائماً ما تكون جملة" وعاشوا في تبات ونبات وخلفوا صبيان وبنات " تكون مقترنة بالزوج الوسيم الذي يحملها على حصانه الأبيض ويطير بها إلى مملكة الحب إلى القفص الذهبي الذي دائماً ما تكتشف أنها علقت بقفص من صفيح.
لم تتحمل أمي وجودها في منزل واحد مع ثلاث ضرائر ( جمع ضرة وهي الزوجة الأخرى لنفس الزوج)فعملت على تثبيت قدميها بالإنجاب فأنجبتني ثم أنجبت نهلة شقيقتي الصغرى.
وخلال عملية عصيان مدني قادتها والدتي ضد والدي حصلت على الطلاق على طبق من ذهب وعادت إلى مصر حاملة أختي الصغرى لم تتجاوز العشرة أشهر .
كانت نكبة بكل المقاييس كما كانت تصفها أمي. نعم ففتاة جميلة مثلها في أوائل العشرينات تحصل على حريتها (هكذا كانت تطلق أمي على كلمة الطلاق وكانت تفضل لقب حرة بدلاً من مطلقة )
نعم الحرية بهذا المعنى نكبة كبيرة. سيدة بلا عمل ولا زوج ولا مأوى وطفلين يقفا عقبة أمام زواج آخر نكبة بدون مبالغة.
كانت أمي عاشقة متيمة بأبي عندما تكون " رايقة " تسمعها تدبج قصائد الشعر في محاسنه كم كان كريماً معها إذ لم يقبل أن تضع جنبها على فراشه إلا عندما تقبل هدية من الذهب تقدر بآلاف الريالات.
نعم كان يبتسم في وجهها ويسمعها أرق عبارات الغزل الصريح والعفيف ولم يبخل عليها بأي شيء تشتهيه. كانت الليلة التي يقضيها معها ترضيها لسنة كاملة . نعم . ونعم الرجل كان.
كان يشعرها أنها الوحيدة التي تمتلك قلبه ومشاعره وما أن صدقته حتى اغترت وتعرفون أن الغرور هو تابوت الحب. وثقت من نفسها ومن قدرتها على التأثير عليه وعلى التحكم بمشاعره وما أن فعلت حتى بدأت تحيك المؤامرات ضد " زينة " الزوجة السعودية التي تشاركها في قلب أبي فألبت ضدها "سبيكة " الكويتية و" هاجر " اليمنية تمهيداً للتخلص منهما بعد الانتهاء من زينة.
وأعلن ثلاثتهن العصيان فما كان من أبي إلا أن حاول الإصلاح بينهن وانفرد بكل واحدة على حدة ( كانت سياسة فرق تسد التي كان يتبعها والدي في مثل هذه المواقف جيدة ) حتى علم أن أمي سبب ما حدث.
طلب منها مصالحة زينة وعقد سلام معها إلا أنها رفضت واتبعت سياسة لي الذراع وقررت العودة إلى مصر وحاول أبي أن يثنيها عن قرارها إلا أنها تشبثت به لعله يدرك قيمتها ويطلق الثلاثة ويعود إليها صاغراً.
ودافع والدي عن رجولته التي كثيراً ما يعتز بها ورمى عليها يمين الطلاق الذي اعترف لي فيما بعد أنه أسوأ قرار اتخذه في حياته.
ولشهامته حرر لها شيكاً بمبلغ كبير يزيد عدة أضعاف عن صداقها لتستطيع شراء شقة وتتمكن من تربيتنا تربية صالحة فما كان منها إلا أن مزقت الشيك وقذفت به في وجهه وعادت بنا تتقاذفنا بحار البؤس والفقر.
" مصري من يولد لأب مصري" كم عذبتنا هذه الجملة فأنا وشقيقتي أمام القانون أجانب ليس لنا الحق في الإقامة في مصر ولا في مجانية التعليم ولا في الالتحاق بالوظائف الحكومية. ليس لنا أي حق حتى في التنفس من هواء مصر لأننا كما ينص القانون "أجانب " لابد من تجديد الإقامة سنوياً ودفع رسوم المدارس الخاصة بالعملة الصعبة . حولت هذه الجملة حياتنا إلى جحيم فأمي منذ السادسة صباحاً إلى العاشرة مساءً في العمل تعود لتعد لنا طعامنا وتستريح قليلاً لتبدأ من جديد.
كانت علاقتي بوالدي لا تتعدى زيارات للمملكة محددة في العطلة الصيفية كنت ألاقي فيها إخوتي من عدة جنسيات عربية وبعد انتهاء الزيارة أعود إلى مصر محملاً بالهدايا التي كانت توبخني أمي على قبولها.
مرت السنوات ثقيلة حتى نجحت في الثانوية العامة بمجموع كبير صممت والدتي على دخولي كلية الطب ولم أكن أرغب في دخولها لسببين وربما ثلاثة أولها أنها كلية عملية تحتاج لأموال كثير لا نستطيع تدبيرها في الوقت الحالي والسبب الثاني أنني كنت أنفر من مناظر الدماء ويرتعب قلبي عندما أعلم أن الإنسان عندما يموت يتحول إلى جثة والسبب الثالث وهو الأهم أنني أهوى الموسيقى والغناء وأود دراسة الموسيقى.
ولكن والدتي كانت أسبابها أقوى لذلك التحقت بكلية الطب لأحقق حلم والدتي في حمل لقب أم الدكتور ولأكون الطبيب الوحيد بين أخوتي لتثبت لأبي أنها نجحت في تربيتنا بدون مساعدته.
عندما التحقت بكلية الطب لن أخفي عليكم إنها مسألة تحتاج جرأة وقلب ميت في أول درس لعلم التشريح كنت ارتجف ولا أدري أين ذهبت دمائي شعرت بجسدي كله متجمداً كالجثة التي أمامي وقاومت شعور قوي بالغثيان وفجأة شعرت بدخان أبيض يلفني وعلمت بعدها أنني قد أغشي علي وما أن أفقت حتى عدت إلى منزلي وتمددت في فراشي أحاول أن استغرق في النوم وأنسى ما حدث إلى أن شاهدت أطيافاً سوداء اكتشفت على الفور إنها أشباح تتراقص أمامي وتصرخ بأصوات مرعبة.
وما أن عادت والدتي من المستشفى حتى وجدتني أهذي من الحمى وبعد أن أفقت قليلاً حكيت لها ما حدث فلربما تتغير وجهة نظرها أو تقل حدة غرامها بكلية الطب إلا أنها نعتتني بالفاشل والخايب وأخذت تولول كأنما مت فقررت أن أتحامل على نفسي حتى أمحي عن نفسي صفة الفاشل " اللي مش نافع".
كانت الشهور الأولى لي في الكلية جحيماً لا يطاق ولكن ما خفف عني قليلاً هو أصدقائي الذين توطدت علاقتي بهم وأهمهم غسان حويك وهو لبناني يدرس في مصر " كم أعشق شعب لبنان"!
مرت عدة سنوات تغيرت فيها ملامح أمي تماماً لا أدري لماذا ولكنها كانت مرهقة دائماً وتعبة فقررت مشاركتها في تحمل المسئولية بعد زيادة أعبائنا المادية حاولت إيجاد عمل آخر بجانب كتابة الوثائق على الكمبيوتر وطباعتها إلا أنني فشلت إلى أن وجد لي " ملك الروشنة " وهو زميل لي عمل لي في ملهي والده الليلي. ثرت لمجرد الفكرة واتهمته بالفساد ورغبته في إفسادي إلا أنه أقنعني لم لا أغني ساعتين كل ليلة مقابل راحة أمي وإسعادها ؟ ساعتين فقط يمكن أن يغيروا حياة البؤس والتقشف التي نتبعها منذ نعومة أظفارنا. ولكن خشيت من شيء واحد هو أمي فهي لن تتحمل صدمة أن يعمل ابنها الدكتور كمطرب في ملهى ليلي وهي التي كانت تحتقر جارنا لأنه يسهر في الكباريهات ويعاقر الخمر.
وجود هذا الجار سيصعب المسألة ولكن حلها جاء من السماء مرضت أمي مرضاً شديداً لدرجة أنها لم يعد لديها القدرة على العمل فاقترحت الحل الذي أبكاها ولكنها لم تستطع الرفض أمام إصراري خصوصاً أن نهلة أختي اجتهد خراط البنات في خرطها فأصبحت مثل ثمرة ناضجة يتهافت الجميع على اقتطافها.
والتقيت بصاحب الكباريه ( عفواً الملهى الليلي ) وأعجب بصوتي وأدائي وعينني على الفور بتشجيع من الراقصة " شاهندا" التي كانت تتفحصني كأنما لم ترى رجلاً من قبل.
حياة الليل زاخرة بالمواقف ترى كل شيء على حقيقته أو ربما توهمت ذلك وقتها. فتيات بارعات الجمال يسمحن لأي حيوان أن يتلمسهن. ……ضحكات…….أغاني….. غزل …..رغبات …… خمر ………نساء الليلة الواحدة. كل ذلك كان متوفراً ولكنني كنت أنهي وصلتي الغنائية وأطلق ساقي للرياح لأعود لأمي كما تركتها.
ولم تفلح كل محاولات شاهندا في استدراجي. كانت تحاول استثارتي بكل الطرق من بداية " الهي هي هيئ" ونهاية بلمساتها النارية لي كانت دائماً تتعمد أن تلمس وجهي بأناملها المعطرة بحجة أن هناك شيء ما عالق بخدي ( إلى الآن لا أعرف ما هو الشيء الخفي الذي كان يعلق بخدي وشفتي)
تجرأت مرة وقبلتني فشعرت بالقرف لتلك الطريقة المبتذلة. أنا لا أحب المرأة التي تضع أشياء غريبة في صدرها ليبدو ممتلئاً ولا أحب الشفة المحقونة بالكولاجين وأشجع الأنف الطبيعية مهما كانت بشاعتها والأكثر أنني أكره جسد المرأة العاري عندما تفرط المرأة وتظهر جزء من جسدها فإنها تسقط كل احترام لها في عيني ّ .
كانت شاهندا نتيجة طبيعية لأكثر من ثلاثين عملية تجميل جعلتها تبدو كأنها دمية لا روح فيها وربما ندمت فيما بعد لطريقة معاملتي الجافة لها فأنا شاب طبيعي أحياناً ما تتملكني رغبة قوية في مجاراتها إلا أنني أكبح جماح انفعالاتي فأنهي وصلتي وأجلب العشاء لأمي وشقيقتي وأعود إلى البيت لأستذكر دروسي ثم أستلقي في فراشي لأغرق في بحار النوم العميقة.
وكم استرحت عندما وصلت شاهندا إلى استنتاج رائع فقد اعتبرتني إنسان غير طبيعي وقالت بالحرف الواحد " باين لك مالكش في اللون" لقد أهانتني للتو ولكنني سعدت ربما لأنها ستكف عن محاولاتها لمضايقتي.
نهلة أختي أو شبيهة " إليزابيث تيلور " كما كان يحلو لي مناداتها كانت فتاة رائعة الجمال ذات عينين زرقاوين ( لا أدري من أين أتت بهما ) وقوام ممشوق دخلت كلية الفنون الجميلة لحبها للفن فقد كانت ذات موهبة جديرة بالاحترام وفي السنة الثالثة تقدم لها أحد شباب الحي للزواج منها . لا أدري لم كرهت هذا الشاب على الرغم من سعادة أمي به فهو خريج إحدى الكليات عمل فترة بالخليج وأتى محملاً بأفخر الثياب والأجهزة الكهربائية ولأول مرة أحتد على أمي وأطالبها برفض هذا العريس اللقطة ورفضت أمي طلبي في إصرار قائلة أنه قادر على إطعامها. كأنما كل شيء في هذه الدنيا هو الطعام والشراب وحاولت تأليب نهلة ضدها إلا أنها انضمت لأمها في إصرار فقد رأت فيه خلاصها من حياة التقشف التي تعيشها وما شجعها على قبوله أنه سيمنحها زواجها منه الجنسية المصرية.
وتمت الخطبة رغماً عني كالعادة فأي قرار مصيري يتعلق بنا كان لابد من موافقة اثنان على الأقل وكانت أمي ونهلة تمثلان الاثنان دائماً وأنا الواحد كنت أشعر شعور الأقلية المغلوب على أمرها. أبداً لم أستطع ممارسة سلطتي لكوني الذكر الأوحد وراجل البيت.
كان الصمت هو وسيلتي الوحيدة للتعبير عن غضبي فقد علمتني والدتي الهدوء…. الهدوء الشديد ليس لأنها كانت هادئة بل لأنها عند غضبها تتحول لإنسانة شريرة تصرخ وتتحول كل ملامحها الأنثوية الرائعة إلى ملامح شرسة غريبة فقررت فيما بيني وبين نفسي ألا أشوه ملامحي بالغضب مهما حدث وحاولت التعود والتكيف على كبت كل المشاعر بداخلي فابتسامة هادئة كفيلة بامتصاص غضب من أمامي أو هكذا أعتقد.
في المرحلة الجامعية يشعر الشاب برغبة شديدة في عيش مغامرة حب ولم يكن أمامي سوى حب فتاة مثلي من طبقة المطحونين كانت جميلة، أنثى بكل ما تحمله الكلمة من معنى طبيعية الملامح. تعرفت عليها عندما غنيت في حفلة أقامتها الجامعة.
كانت على علم أنني أعمل في ملهى ليلي ولم تنفر مني فهي تقدر قيمة العمل ــ كم أحب المرأة المتفاهمة ــ كنا نلتقي سوياً ونخرج معا وفي إحدى ليالي الصيف جاءتني في العمل وقد كانت مفاجأة مروعة بالنسبة لي فدخول فتاة مهذبة مثل هذه الأماكن خطر منتهى الخطر. أنهيت وصلتي بسرعة وأخذتها من يدها لأوصلها إلى المنزل وفي الطريق الذي قطعناه سيراً على الأقدام غمرتني بمشاعرها الدافئة أشعرتني أنها في حاجة إلي وكنت في أمس الحاجة إليها.
كانت ليلة صيفية مقمرة لم أجد ليلة بروعتها ولا أدري ما حدث كل ما أتذكره أنه عندما وصلنا لمكان إقامتها دعتني للدخول فرفضت لعلمي أنها تقيم بمفردها لأنها مغتربة وكل رفيقاتها عدن إلى أسرهن. وأمام إلحاحها لم أجد بداً من شرب الشاي معها تحادثنا طويلاً وكثيراً لتأجيل اللحظة المحتومة. مواجهة كانت صعبة والانتقال إليها كان أصعب بالنسبة إلي على الأقل. صعب جداً التجرد من المشاعر والأحاسيس والتحول إلى حيوان في نظر الآخر.
وفرت هي على مشقة البدء وقبلتني ولا أعلم السر في عدم إحساسي بالقرف بل رنوت إليها كأنها أجمل فتاة في العالم بأسره ولم أستطع مقاومة رغبتي الملحة فيها فأحطتها بذراعي ورحت معها إلى عالم اللاوعي.
واعترف أنه للمرة الأولى اعترف أن في العالم كائن آخر اسمه المرأة كائن ممتع شهي ولكن ما جعلني استغرب هو عدم ترددها وثقتها الغريبة بنفسها علاقتنا لم تكن كاملة ولكنها جعلتني أشعر كأنني في عالم آخر تعاملت معي بتمرس غريب. اعترف أنه غريب فكيف يمكن لفتاة بريئة أن تفعل ما فعلت ؟ ربما التأثير الطاغي لوسامتي وإحساسي بها دفعها إلى إعطائي ما أرغب بهذه الدرجة من الكمال وربما……. شيء آخر تمنيت لو لم أفكر به.
مرت عدة أيام بدون أن نلتقي ولكنني لم أكن أفكر بشيء في الدنيا إلا بها . نعم . فتجربة مثيرة كهذه تعلق في الذاكرة ومن الصعب محوها. كنت استرجع ما حدث في خيالي. لا أدري لم يجعل الخيال هذا الحدث جميلاً خرافياً؟ كنت في نشوة أرفض أن أفيق منها وفجأة زارني غسان وتحدث معي بشأنها وأخبرني بشيء صدم مشاعري وحطم كبريائي فقد أخبرني أن " داليا " ما هي إلا فتاة رخيصة تبيع المتعة لمن يريدها من العطشى. لم أصدق فتلك الرائعة لا يمكن أن تكون هكذا أبداً !
ولكي يبرهن لي أخذني إلى " ملك الروشنة " وفتح غسان الموضوع أمامه فما كان منه إلا أن قال موجهاً كلامه لي:ــ إيه ده ؟ هي علقتك؟ وقال كلمات أخرى يعف قلمي عن كتابتها فأنا أرغب في الاعتلاء بالذوق العام وليس الانحدار به . ولكن معناه أنها تهب جسدها لكل عابر سبيل ما دام يستطيع دفع الفيزيتا ويضمن لها أنه لن يطلب أكثر مما ستعطيه فهي ذات مبدأ!!!!!
عندما يحب المرء تتخدر كل أحاسيسه ويرى من يحب كأنه الإنسان الكامل كان قلبي يكذب كل ما يقال ولكن عقلي كان واعياً فأنا لم أحك لغسان وإنما هي من أخبرت أحد الأصدقاء فنقل الخبر لغسان ولم يتحمل غسان الخبر فأتاني ناصحاً.
على الرغم من كل تأكيدات ملك الروشنة إلا أنني أظهرت عدم تصديقه فلم يجد بداً من رفع سماعة التليفون وتشغيل " السبيكر " لكي أسمع كل المحادثة ويا ليتني ما سمعت كلمات قبيحة سوقية وكلمات بذيئة وفي النهاية أعطته الموعد وما أن أغلق التليفون حتى طلب مني الاتصال بها من الموبايل الخاص بغسان لأخبرها أنني أرغب في رؤيتها في نفس الموعد وفعلت ورحبت جداً وما أن أغلقت الموبايل حتى دق جرس تليفون صديقي وكانت هي تتصل لكي تؤجل الموعد لحدوث ظروف طارئة.
وفي الموعد المحدد ذهبت وكنت قد اقترضت مبلغ من المال من أحد أصدقائي المقربين واستقبلتني بابتسامة كادت تفلت أعصابي التي سيطرت عليها بصعوبة وعلى طريقة فيلم " مولان روج" قذفت بالمال في وجهها فقبلته بلا تردد وعصفت الحسرة بقلبي فأول من أحببت تريدني لأجل المال. المال فقط. فلا وسامتي ولا جاذبيتي فقط المال ولأنني فقير فلن أستطع تلبية احتياجاتها. لقد اختارت الشخص الخطأ لتعبث معه ! فنعم أنا سعودي الأب ولكنني محدود الموارد.
خرجت من عندها وأنا آسف ليس عليها ولكن على المبلغ الذي اقترضته ولن أستطيع تسديده.
وفي المساء ذهبت للعمل وبعد أن انتهيت وأثناء استعدادي للهرب من براثن شاهندا فوجئت بأحد الأشخاص يطلب لقاءي كان رجلاً وسيماً مهاباً تبدو عليه آثار النعمة وأخبرني أنه يريدني للعمل كمطرب في أحد فنادق القاهرة الكبرى.
أذهلني العرض ولكنني طلبت مهلة للتفكير لأن هذا العرض لن يفي بالاحتياجات المادية لأسرتي وخصوصاً أنني أعمل على تجهيز نهلة أختي ولكنه كان كريماً معي حين قال بأن الوصلة ستكون ساعة واحدة ويمكنني الاحتفاظ بعملي الحالي وجددت طلبي للمهلة حتى لا أبدو متلهفاً ولتكن أسبوع مثلاً.
كان هذا الأسبوع أصعب ما مر علي من أيام فقد كنت أتذكر الوهم الذي عشت فيه وكنت أتألم في صمت فمن الصعب اقتلاع ذكرى مخجلة كهذه ولاحظت والدتي حالتي وكالعادة أرسلت لي نهلة التي استدرجتني ببراعة فحكيت لها تلخيص شبيه بما حدث ــ لم أحك لها طبعاً العلاقة الفعلية ــ وكالعادة أيضاً نقلت نهلة لأمي الحوار بالكامل وقامت الدنيا ولم تقعد. تحول منزلنا الصغير الهاديء إلى سرادق للمآتم… بكاء…. عويل… ندب ( لأمي طريقة جيدة في ندب حظها العاثر الذي جعلها تنجب فتى عديم الرباية مثلي ) نعم فالحب في وجهة نظرها جريمة لا تغتفر فأنا لا أملك أن أحب. الفقراء عموماً لا ينبغي أن يشعروا مثل باقي الناس بالحب. وعلى الرغم من علمها بانتهاء هذه العلاقة إلا أنها استمرت في معايرتي في الذهاب والجيئة بأنني شخص غير جدير بالاحترام وأن مستقبلي سينتهي بفشلي في الزواج أيضاً مثل أبي.
فقد كانت تتذكر مساويء أبي عندما تتكدر لأي سبب كان وكما تدبج القصائد في مدحه كانت تدبجها كذلك في ذمه فقد كان مسرفاً. زير نساء. لا يقدر النعمة. فاشل في الزواج فقد طلق أكثر من ثلث مطلقات العالم العربي ( كانت دائما لا تحتسب الزيجات التي نجحت واستمرت إلى الآن) وأنه لا يفهم في النساء وأن ذوقه في اختيار زوجاته في منتهى القبح.
لم أجد بداً من ترك البيت والحلول ضيفاً على غسان إلى أن تنتهي هذه القضية التي لا أعلم كيف انفرجت شفتي وتسببتا فيها.
بعد عدة أيام راقت أمي وجاءتني وبعد أن وبختني أمام غسان طبعاً الذي نابه من التوبيخ جانب كبير سحبتني إلى البيت كما تسحب الماشية.
استلمت العمل في الفندق وراق لي الجمهور المتحضر وعدم وجود شاهندا وجمعت بين العملين لأستطيع الوفاء بكافة احتياجات نهلة.
كان " عريس الغفلة " كما كان يطيب لي أن اغتابه قد حدد موعد الزفاف من طرف واحد وكنت في موقف صعب واقترب موعد الزفاف وبصعوبة استطعت تأمين كل ما تحتاجه نهلة. كنت اكرهه ولكنني لا أنطق حتى لا تغضب نهلة مني.
وحدث ما كنت أتوقعه فعريس الغفلة دائماً ما يعايرها بأنها تحتاج إليه من أجل الجنسية وأنها فقيرة وأن والدتها تعمل ممرضة وشقيقها وهو أنا أعمل بكباريه وإذا كان رب البيت بالدف ضارباً فشيمة أهل البيت هي…….. انتم تعرفون طبعاً.
في إحدى الليالي عدت لأجده جالساً معها وهي متكدرة وتتساقط دموعها الغزيرة وسألت عن سبب هذه الحالة فأخبرتني بأنه لا يريدها أن تكمل تعليمها الجامعي وأنها لكي تتزوجه ينبغي عليها أن تتفرغ لخدمته وخدمة بيته وثارت ثائرتي لوقاحته وطلبت منه في غليان هادي أن يعيد التفكير إلا أنه نعتني" بالصايع" ( أكره هذه الكلمة ) ولم يكتف بذلك بل نعت أمي " بالعاهرة " ولم أشعر بنفسي إلا وقد لكمته لكمة اعتقد أنها أطارت بصف أسنانه العلوي وما أفاقني هو أن نهلة الرقيقة لم تستطع تحمل المشهد فسقطت مغشياً عليها.
حاولت إفاقتها فلم تفق كنت أعرف هذه الأعراض جيداً ضيق التنفس…….. التشنجات أزمة قلبية ولا شك.
أيقظت أمي في سرعة وحملناها إلى أقرب مستشفى فقلبها الصغير أضعف من أن يتحمل مثل هذا الانفعال.
ما أن سقطت نهلة حتى هرب عريس الغفلة ولم يظهر بعدها هو أبداً بل أتت أمه لتطالبنا بالشبكة والهدايا فهي لا يشرفها أن تناسب ناس لمّ مثلنا.
كانت نهلة تتفهم ما يحدث وعندما طلبت منها نزع الدبلة من يدها لم تصدم بل بدا عليها أنها استراحت من كابوس وعندما سألتها عن سبب راحتها قالت إنه إنسان بشع مغرور دائم المعايرة وأن سبب رغبتها في الزواج منه فقط هو الحصول على الجنسية المصرية. والجنسية المصرية من وجهة نظري تستحق أن يرمي الإنسان بنفسه في النار من أجلها.
وسيطر علي تفكير غريب. لم لا تلغى الجنسيات ؟ نحن عرب فما الفرق بين مصري يعيش على أرض كويتية أو مغربي يعيش على أرض سورية ؟ ألسنا جميعاً عرب سواء مسلمين أو مسيحيين؟ لم ؟ لم لا ننسى النعرات الإقليمية وتخرس الدعوات التي تطالب بإحيائها………. مصر فرعونية ؟ لماذا فرعونية بالذات لم يقولوا رومانية أو يونانية أو إسلامية ؟ لم التوقف عند الفراعنة ؟ إن لكل دولة رونقها وبهائها إنني سعودي مصري ولكنني أعشق العراق وفلسطين وليبيا وسوريا وتونس والإمارات العربية وغيرها لم العمل على إحياء الأسباب التي نتفارق من أجلها ؟ لم لا نبحث في التاريخ عما يجمعنا ولا يفرقنا ؟
بدأت نهلة في لملمة مشاعرها وإحساسها بأنها منبوذة لا لشيء سوى أن والدها أجنبي ووالدتها ممرضة وشقيقها مطرب في كباريه. مسكينة نهلة ففتاة في مستوى جمالها لو لم يطلق والدها والدتها لكانت تعيش في قصر من القصور ولن يوافق والدها على خطبتها سوى لأمير.
اعترفت أمي فيما بعد بأن هذه الخطبة كانت خطأ منذ البداية ولأول مرة تخبرني في انكسار بأنني كن محقاً ولم أسعد بهذا الاعتراف فقد كنت أتمنى أن تسعد أختي المسكينة حتى لو لم أكن أحب زوجها.
وفي محاولة مني لجعلها تنسى أخذت إجازة من عملي وطلبت من كمران ( أخي من أم عراقية كردية ومعنى اسمه "سعيد " باللغة الكردية) أن أنة يلاقينا عند الحدود السورية لم لا نزور العراق فنهلة مغرمة بالعراق وربما تكون زيارتها للعراق سبباً في سلواها وتعرفت نهلة لأول مرة على زوجة والدها السابقة السيدة "سرور" وفتنت بمدينة أربيل الساحرة ذات الطبيعة النادرة ولغة أهلها الغريبة التي لم تسمعها سوى من كمران عندما يزورنا في مصر وطلبت من السيدة سرور أن تحكي لها عن قصة تعرفها بوالدي فقالت أنها بعدما فقدت زوجها الأول بعدما اعتقل لسبب غير معروف قررت أن تعتمر وضلت طريقها فسألت أحد الرجال الذي لم يكن سوى والدي الذي أرشدها إلى الطريق وإلى المأذون فقد فتن بالجمال الأخاذ والطول الفارع. قصة طريفة أليس كذلك؟
مرت الإجازة في سرعة وعدنا إلى مصر وكان في انتظارنا مفاجأة مؤلمة فقد خطب عريس نهلة إحدى فتيات الجيران وحاولت نهلة أن تبدو غير مهتمة ولكن في ليلة زفافه لم تستطع المقاومة وأصيبت بأزمة قلبية حادة وتوقف قلبها الصغير عن الخفقان ولم تفلح أي وسيلة لإنقاذها.
ماتت نهلة الجميلة وتحول جسدها البض الشمعي وشعرها الأسود الحريري وعينيها الزرقاوين إلى جثة.
كم أكره الموت عندما ينشب أظفاره في أقرب ما للإنسان لم أكن أصدق أن هذا الكفن الناصع البياض يضم بين لفائفه نهلة أختي. لم أكن أصدق أنني سأتحمل أن يضعها أحدهم في داخل قبر مظلم وحيدة ويغلق عليها بل ويطلب مني أن أذهب لبيتي فهذه هي حال الدنيا.
لأول مرة أشعر بالأسى لموت أحد. في كلية الطب رأيت مئات ممن يودعون الحياة ولكن هذه المرة كدت أجن فأنا لم أستطع إنقاذها وأنا خريج كلية الطب ولا حتى استطعت تدفئة قلبها الصغير رأيتهم بعيني وهم يصعقونها بجهاز الصدمات الكهربائية في محاولة يائسة لإعادة انقباضاته ولكنهم فشلوا ورأيت أمي وهي تصرخ وهي تمسك بيديها وتهزها بقوة حتى تفيق من غيبوبتها ولكنها لم تفق . أبداً لم تفق.
وأتى أبي ليعزي أمي التي انهارت وجلب معه إخوتي جميعاً ليشاركونه في مصابه الجلل ولأول مرة ألمح في عينيه شبح دمعة عندما رأى أمي وهي منهارة وهو الذي ربانا على القوة والتحمل والصبر والجلد وكانت كلمته المميزة " اللي يبكي ماهوب رجال " نبراساً لنا.كم تمنيت أن تنزل هذه الدمعة لكي تبرد قلبي الذي كان يحقد على ذلك الجاحد الذي جاء بنا إلى الدنيا ثم قذف بنا إلى قارعة الطريق. كم تمنيت أن تكون " نوف " شقيقتي من الأم السعودية "زينة " هي من ماتت وليست نهلة لكان لحق بها والدي. إن والدي هو سبب كل المعاناة التي مررنا بها. تمنيت أن أسأله عن سر دمعته التي يخفيها. لو لم تأخذه العزة بالإثم ويطلق أمي ويطردها من جنته لما حدث لنا كل ما حدث ولكن لم أتكلم بل نظرت إليه خلسة وهو يجفف دمعته التي اجتهد في إخفائها.
وبعد عدة أيام عاد إلى المملكة ليستأنف حياته ربما ليطلق إحدى زوجاته ويصيد أخرى ولم يبق معي من إخوتي سوى كمران وإياد" شقيقي الفلسطيني"
وحاول الجميع جعل أمي تخرج من حالة الحزن هذه إلا أن كل المحاولات باءت بالفشل فأمي لا تستطيع تخيل الحياة بدون نهلة الجميلة.
ومرضت مرضاً شديداً كاد يودي بحياتها ولم يخرجها من حالتها سوى وعدي لها بجعلها تعتمر بل وتؤدي أيضاً فريضة الحج فهذا أقل ما يمكن أن نفعله لنخرجها من حالتها السيئة.
عدت إلى عملي بالفندق وبعد الانتهاء من وصلتي جلست لأتناول مشروب مع كمران أخي وفوجئت بمن يطلب الجلوس معنا فأذن له كمران وسأله عما يريد فأخبرنا بأنه يريد أن ينتج لي شريط كاسيت. حسبته يستظرف في البداية إلا أنه أبرز لي هويته فعرفته على الفور إنه مدير إحدى شركات الإنتاج الفني الكبرى وأخبرني بأنه معجب بصوتي وأدائي الرومانسي الناعم.
وكالعادة طلبت مهلة للتفكير فمعنى عمل شريط كاسيت أن أترك الطب وأتفرغ للغناء وذلك ما سوف يتسبب في تعاسة والدتي.
ومثلما توقعت رفضت أمي حرمانها من لقب أم الدكتور ولكن كمران أخي له قدرة سحرية على التعامل مع المشكلات فقد أخبرها أن بالعالم العربي آلاف الأطباء ولكن لا يوجد به ــ في وقتها ــ سوى عدد من المطربين يعد على أصابع اليد الواحدة وأن من السهل جداً إذا وافقت أن أصبح غني ومشهور وأحيا في المستوى الذي أستحقه والأهم أنني يمكنني أن أكون ثروة هائلة كثروة والدي خلال عدة سنوات وهذه هي الكلمة السحرية التي جعلتها توافق على الفور إنها ترغب في جعلي أغني من والدي وأرفع شأناً منه يا للنساء!
وذهبت إلى شركة الإنتاج بالفعل ووقعت العقد بعد مداولات وأخذت أختار الأغاني بعناية وسجلتها وسلمت شريط الكاسيت للشركة التي طرحته في الأسواق مع الدعاية اللازمة وتصوير فيديو كليب يحتوي على عدد من الفاتنات أصبحت من المشاهير فلم يخلو بيت عربي من هذا الكاسيت الذي أكد للكثيرين أن هناك أمل في النهوض بمستوى الأغنية العربية وأنه على الرغم من المادة التي طغت على القيم الروحية إلا أن الرومانسية مازالت تقبع تحت الرماد وتنتظر فقط من يشجعها على الخروج.
وكنت سعيداً بشريطي الأول فالطعم الذي يشعر به من يفعل الشيء لأول مرة يفوق بعشرات المرات قدر النجاح الثاني والثالث وحتى المائة.
لم يكن أبي قد علم بعد باحترافي الفن فللحقيقة لم أجرؤ و لم أستطع جعل كمران يتدخل في هذا الأمر حتى لا تتحطم علاقته القوية بوالدي كما أن مهاراته تنحصر فقط في إقناع النساء دون الرجال. وأثناء وجود أبي مع زوجته الإيرانية في فندق سانت ريجانس بلوس أنجلوس بالساحل الغربي للولايات المتحدة وأثناء فتحها جهاز التليفزيون إذ فوجيء أبي بي أغني برفقة إحدى الحسناوات التي ترقص في دلال وانتفض أبي كالملسوع وكانت صدمته مروعة واتصل بي ليسمعني فاصل من الشتائم والتوبيخ من نوعية " أنت تربية حرمة " ،"يا ملعون الأب "، وش تبى تسوى فيني"؟" فضحتنا "،" الله يا خدك إن شاء الله " عساك البلا في شكلك عساك القرف" .
واكتشفت موهبة جديدة في والدي غير موهبة اصطياد النساء وهي موهبة التهزيء وحرق الدم وكالعادة استقبلت الأمر بالهدوء الشديد والبرود فلم يستطع أخذ حق مني ولا باطل وتركته حتى يهدأ فأنا في النهاية المخطيء. واتصلت به لكنه أغلق السماعة في وجهي بعد أن نعتني بابن المصرية وهي الكلمة التي كان يعاقب طلال عندما يشتمني بها . وكثيراً ما حاولت توسيط إخوتي أو أعمامي ولكنه كان صعب المراس.
ولأول مرة أشعر بتعاسة حقيقية إذ على الرغم من أن أبي كان بعيداً عني منذ طفولتي إلا أن وجوده في حياتي كان يمثل لي الكثير كان يمثل الجبل الذي استند إليه عندما يميل بي الزمان. كان يمثل لي الأمان المفقود كنت أعتقد في الماضي أنه لا يؤثر بي ولكنني اكتشفت العكس . كان يمثل لي كل شيء.
وبعد شهور من الخصام واتتني الفرصة عندما طلبني أحد الأمراء لإحياء حفل زفاف نجله وأطلعت الأمير على ما حدث فقد كان على صلة بأبي فوعدني
بحل المشكلة في أقرب وقت ممكن وليلة الحفل فوجيء بي والدي أغني وغازلته بأغنية لفنان العرب إذا أن أبي يعشقه وما أن انتهيت حتى ذهبت إليه وقبلت رأسه ويديه وصدره واحتضنني والدي وأخذني معه إلى البيت ولكنه طلب مني أن أكون قدر المسئولية وأن أيمم الاتجاه الذي يسمو بالنفس وأن أعبر عن القضايا التي تعاني منها الأمة العربية أن أغني للقدس وألا أكف عن الغناء للوحدة العربية فلربما حققت أنا بصوتي ما فشل هو في تحقيقه بزيجاته الكثيرة.
كان الصلح بيني وبين والدي بالنسبة لي كالعودة إلى وطن أحبه وآلفه وبداية صداقة قوية بيني وبين الأمير عبد الله الذي أعطاني عدد من أغنياته التي يكتبها لأغنيها بصوتي وبدأت الدوران في ساقية العمل المرهق من حفلات وتسجيلات ونسيت نفسي ومر عام واثنان وثلاثة وتغيرت حياتي تماماً اشتريت شقة فخمة تطل على نيل الزمالك..خدم….حشم كل متع الدنيا أصبحت في يدي ولكنني لا أستمتع بها. حتى أمي لم أعد أجلس معها فقد كانت تعيش في عالم العبادة والتصوف كانت تقضي معظم وقتها في الحرم المكي أو المدني وفجأة سقطت مريضة وحاول الأطباء معرفة السبب واكتشفوا أنه فشل كلوي. شعرت بالرعب فقد كان المرض في مراحل متقدمة وما زاد من فزعي ورعبي أنني اكتشفت أن أمي ذات كلية واحدة فقد باعت إحدى كليتيها لتستطيع الإنفاق علينا من دون أن تطلب مساعدة والدي ألم أقل لكم أن والدي سبب كل مآسينا؟
أفقدتني الصدمة قدرتي على التفكير فأمي تحتضر وهي الشيء الوحيد الذي يجعلني قادراً على مواصلة الحياة .
اتصلت بوالدي الذي أتى على الفور وأطلعته على ما حدث وصدم والدي صدمة كبرى وشعر بالذنب وعرض على الأطباء أن يتبرع لها بكليته ولكن أنسجته لم تتوافق مع أنسجتها وكذلك أنا ورصد والدي مبلغ كبير لمن يتبرع بكلية لينقذ أمي ولكن كان الأوان قد فات. وأسلمت أمي الروح في هدوء وكانت لحظة من أصعب اللحظات التي مررت بها بل أكثر من صعبة شعرت بأن روحي أنا من سلبت مني.
أمي من احتضنتني وأرضعتني وسهرت على راحتي وباعت لحمها لإطعامي تركتني إلى الأبد وسيطرت على حالة من الإكتئاب لم تستطع الأدوية تخفيف حدته فلا الموسيقى ولا الغناء ولا أي شيء قادر على إخراجي منها. أخذني والدي لأقضي معه بعض الوقت لعلي أخرج من الحالة النفسية السيئة التي أمر بها.
ووجد أبي أن أفضل شيء للتخلص من هذه الحالة هو الزواج نعم الزواج فأنا شاب طبيعي وأصبحت وحيد بعد وفاة والدتي ومشهور فلابد إذن من زوجة لتحميني من الانحراف وهي ليست غريبة عني إنها " نوره " ابنة عمي.
سيطر علي شعور بالغضب فأنا لا أستطيع الزواج من "نوره" إنها ابنة عمي وهي جميلة ورقيقة وقد كنت أعشقها في وقت من الأوقات ولكنني الآن ناضج مشهور وظروفي الآن تتطلب امرأة مختلفة. فهي أصبحت بالنسبة لي مثل أختي. وغضب والدي لمقاومتي الفكرة وفي محاولة منه لتوريطي طلب يدها من والدها أمامي أثناء جلوسه معنا. تصاعدت الدماء في رأسي ولكنني شعرت ببعض الاطمئنان عندما لاحظت اضطراب عمي وطلب فرصة ليستشير "نوره".
وطالت المدة ولم يرد عمي وقابلت نوف شقيقتي نوره وسألتها عن رأيها بصراحة فردت ردها الشهير " ما أبي أتزوج مروان هذا مرة ما هو برجال" ونقلت لي نوف الحديث بالحرف الواحد وفوجئت أنا " مرة" ( عفواً إنها كلمة عادية جداً في الوطن العربي الآسيوي ) أنا ؟ تلك القبيحة التي كانت تذوب في عينيّ فيما مضى ؟ التي كانت دائماً ما تطلب من شقيقتي نوف تدبير لقاءات لي معها ؟ أنسيت كيف كانت ترتجف وتطلب مني ألا أنظر في عينيها مباشرة فنظراتي تحول دمائها إلى حمم بركانية ؟ تلك الكاذبة !
أنا " مرة "؟ ألم تستطع أن تجد مرادف لهذه الكلمة القبيحة حرمة مثلاً ؟ !
أنا لست حزيناً لرفضها لي بل كان جزء مني سعيد بذلك ولكن ما أفزعني حقاً أنها خطبت فيما بعد لطلال شقيقي وطلال أخي كما أتصوره يشبه إلى حد كبير شخصية عمارة خطيب عبلة في فيلم "عنترة بن شداد " بلا مبالغة نعم كان ناعماً وسيماً شديد الوسامة أنثوي الملامح يعوم في بحار من العطر عند خروجه من البيت أتذكر أن أبي طالبه بالتصدق بقدر المبالغ التي يشتري بها أفخر زجاجات العطر.
لم أجد حقاً سبب مقنع لقبول نوره لطلال وفي النهاية نبهتني نوف إلى شيء مهم إن طلال هو الذراع اليمنى لأبي بمعنى آخر المال. نعم المال…….. ولكنني ثريا. وذهبت إلى المرآة أتفحص ملامحي عن قرب. يا للهول! إنني وسيم ! إذن ما هو سبب رفض نوره لي ؟ السبب الحقيقي؟
وفاة والدتي أفسدت علي نشوتي بالحصول على الجنسية المصرية أخيراً فلم أكد أكتب في بطاقة هويتي كلمة مصري حتى فاضت روحها. كانت كلمة مصري حلم تتمنى تحقيقه وكثيرة هي الأحلام التي دائماً ما تتحقق بعد موت صاحبها.
"نوف" شقيقتي فتاة رقيقة قمحية اللون سوداء العينين تشبه إلى حد كبير والدتها "زينة " ولكنها كانت مختلفة. لا أعلم سبب ولعها بالأجانب ولكنها كانت تعشق أي شخص غير سعودي ( كانت تقصد بالأجانب العرب من غير السعوديين)
كانت الوحيدة من كل إخوتي التي تفخر بأن لها أشقاء مصريين وعراقيين وشقيق فلسطيني وما أن أنهت تعليمها الجامعي حتى توافد الخطاب الذين رفضتهم عن بكرة أبيهم فقد كانت ترغب في الزواج من طبيب مغربي وسيم أجرى لها إحدى الجراحات نعم أغرمت به فقط لأنه مغربي وأغرم بها هو الآخر ( لا أدري إن كان حقاً مغرماً بها أم شعوره كان نتيجة الهدايا القيمة التي كانت تمطره بها )
وتقدم للزواج بها إلا أن أبي رفضه فهو لم ينس قصة المرأة الوحيدة التي لم تسلم له ورفضت الزواج به وكانت مغربية.
لم يجد أبي ما يعيب به العريس الوسيم فأخبر نوف أنه لا يفهم اللغة التي يتكلم بها ولن يرضي أن يكون صهره ممن لا يفهم حديثهم.!
ياله من سبب سخيف فندته نوف على الفور وردت ردها الحاسم" أبي .. أنا بفهم عليه أنا أبيه وما أبي سواه ولو ما تزوجته أبد ما بزوج"
لنوف أختي طريقة مميزة في الكلام وكذلك شخصية قوية مؤثرة يكفي أنها الوحيدة التي استطاعت قول هذه الجملة كاملة أمام والدي فجميعنا يتجنب المرور من جواره مجرد مرور ونحن رجال فما بالك بنوف الرقيقة!
أعترف بأن أبي شعر بشيء من الذهول فهذه أول مرة يتحدى أحد أولاده إرادته أو أن يعقب أحد على قراره فأبي وهو من هو تقف ابنته الماجدة السعودية ابنة "زينة " الأثيرة وتخبره بأنها تشتهي رجلاً ما. يا للعار !
أعلم أنكم تتشوقون لمعرفة رد فعل والدي لم يفعل شيء سوى جذبها من شعرها الطويل ورميها على الأرض ولم يتركها حتى فقدت الوعي وبعض أسنانها الناصعة البياض وكسرت بعض عظامها ( فقط سبعة عظام).
بعد هذا الحادث تأكد والدي أن الديموقراطية لا تصلح مع النساء نعم فهو يستشيرهن في كل شيء صحيح أنه يخالف كل مشورة لهن ولكنه يستشير بأي حال من الأحوال يا للنساء !
دخلت "نوف " المستشفى لعدة أسابيع لتجبر الكسور التي أصيبت بها ربما ستتصورون أنها ستكون سعيدة لوجودها بجوار حبيبها الطبيب ولكن للأسف راحت فرحتها بهذه الإصابات أدراج الرياح عندما علمت أنه قد تم ترحيله فلم تره.
كان أطرف تعليق على هذا الحادث هو تعليق كمران عندما أخبرني " أن الرجل الذي يضرب إحدى نسائه أو أولاده بعد هذا العمر لابد من أنه يعاني من مشكلة كبيرة وهي فقدان الثقة بالنفس وتفهمون طبعاً ما هو سبب فقدان ثقة الرجل بنفسه عندما ينيف على الخمسين " ولكن سرعان ما حطم أبي هذه النظرية ولكن لن أخبركم الآن سأجعلها مفاجأة مذهلة لكم !
ونتيجة لشخصية والدي الآسرة لم يستطع أحدنا زيارة نوف في المستشفى وهي مدشدشة نتيجة العلقة التي أكلتها لأن لا أحد يستطيع أن يصل من يكسر كلام أبي ويتحداه هذه هي القاعدة. عندما تتحسن علاقتك بوالدك ترى الكل يهاتفك ويزورك وعندما تهب العواصف وتتكدر العلاقة تجد نفسك كمقطوع من شجرة .
ملحوظة هامة: أبي لم يطلب من إخوتي قط عدم زيارة نوف صدقوني ولكنهم فقط خشوا على أنفسهم ما يمكن أن يحدث لهم فعندما استغلت " زينة " قدرها لديه وحاولت الدفاع عن ابنتها ما كان منه إلا أن طلقها…….. نعم طلقها ونجحت نوف فيما فشلت أمي في تحقيقه.
" زينة " التي تزوجها أبي وعمره تسعة عشر عاماً أي أنها خدمت في محرابه ما يزيد على الثمانية وثلاثين عاماً ! فعلاً كانت أمي محقة عندما كانت تقول دائما" يا مآمنه للرجال يامآمنه للمية في الغربال"
لو أن والدتي كانت حية لم يكن يسعها غير تقبيل نوف فزينة كانت الوحيدة التي تأمن الطلاق. ليتني كنت هناك لأرى وجهها حين صاح أبي صيحته الشهيرة " أنت طالق" !
لم أندم على شيء في حياتي قدر ندمي على عدم وجودي حينها فقد رأيت وجهها حين طلق والدي والدتي ورأيت كيف ابتسم ثغرها الملطخ بالحمرة وغمزت لأمي بعينها. لن أنسى هذا الموقف ما حييت نظرة القهر والتحدي في عيني أمي ونظرة الشماتة في عينيها.
ولكن فرحتي لم تدم طويلاً فقد علمت أن طلال وعبد الله ونواف تدخلوا لفض النزاع وجعلوا أبي يعيدها إلى عصمته مرة ثانية.
وشعرت بالغيظ من زينة على الرغم من معاملتها الطيبة لي وأنها كانت دائماً لطيفة معي فقد كانت تعاملني كأحد أولادها خصوصاً عندما أصبحت طبيباً كنت الوحيد الذي يمكنه تخصصه من دخول غرفة نومها لأعالجها.
فغرفة النوم في المملكة مكان مقدس كالمحراب لا يليق أن يدخله أي إنسان ويستثنى من ذلك الخدم.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : قصص | السمات:قصص
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج


































